الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

269

مختصر الامثل

« وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِالْعَشِىّ وَالْإِبْكَارِ » . « العشي » : تطلق عادة على أوائل ساعات الليل كما يقال « الإبكار » للساعات الأولى من النهار . وقيل إنّ « العشي » هو من زوال الشمس حتى غروبها و « الإبكار » من طلوع الفجر حتى الظهر . وفي الآية يأمر اللَّه زكريا بالتسبيح . إنّ هذا التسبيح والذكر على لسان لا ينطق موقتاً دليل على قدرة اللَّه على فتح المغلق ، وكذلك هو أداء لفريضة الشكر للَّه‌الذي أنعم عليه بهذه النعمة الكبرى . وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ( 42 ) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) بعد الإشارات العابرة إلى مريم في الآيات السابقة التي دارت حول عمران وزوجته ، هذه الآية تتحدّث بالتفصيل عن مريم . تقول الآية إنّ الملائكة كانوا يكلّمون مريم : « وَإِذْ قَالَتِ الْمَلِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ » . ما أعظم هذا الافتخار بأن يتحدّث الإنسان مع الملائكة ويحدثونه ، وخاصة إذا كانت المحادثة بالبشارة من اللَّه تعالى باختياره وتفضيله ، كما في مورد مريم بنت عمران ، فقد بشرتها الملائكة بأنّ اللَّه تعالى قد اختارها من بين جميع نساء العالم وطهّرها وفضلها بسبب تقواها وإيمانها وعبادتها . « يَا مَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ » . هذه الآية تكملة لكلام الملائكة مع مريم ، فبعد أن بشّرها بأنّ اللَّه قد اصطفاها ، قالوا لها : الآن اشكري اللَّه بالركوع والسجود والخضوع له اعترافاً بهذه النعمة العظمى . ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) هذه الآية تشير إلى جانب آخر من قصة مريم عليها السلام وتقول بأنّ ما تقدّم من قصة مريم وزكريا إنّما هو من أخبار الغيب : « ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ » . لأنّ هذه القصة بشكلها الصحيح والخالي من شوائب الخرافة لا توجد في أيّ من الكتب السابقة ، مضافاً إلى أنّ سند هذه القصة هو وحي السماء .